الشيخ محمد رشيد رضا

627

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منفعة السمع كالذين فقدوا حاسته « الْبُكْمُ » الذين لا يقولون الحق ، كأنهم فقدوا قوة النطق ، « الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ » أي فقدوا فضيلة العقل الذي يميز بين الحق والباطل ، ويفرق بين الخير والشر ، إذ لو عقلوا لطلبوا ، ولو طلبوا لسمعوا وميزوا ، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا ، وتذكروا وذكروا ، كما قال تعالى ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) فهم لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى ، بأن خلقوا خداجا أو طرأت عليهم آفات ذهبت بمشاعرهم الظاهرة والباطنة ، بل هم شر من هؤلاء لأن هذه المشاعر والقوى خلقت لهم فأفسدوها على أنفسهم لعدم استعمالها فيما خلقها اللّه تعالى لأجله في سن التمييز ثم التكليف ، فهم كما قال الشاعر : خلقوا وما خلقوا لمكرمة * فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد * فكأنهم رزقوا وما رزقوا وإذا أردت فهم الآية فهما تفصيليا فارجع إلى تفسيرنا لقوله تعالى ( 7 : 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم في آية الأعراف وآيتي البقرة لأن المقام هنا مقام التعريض بالذين ردّوا دعوة الاسلام ، ولم يهتدوا بسماع آيات القرآن ، * * * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ أي ولو علم اللّه فيهم استعدادا للايمان والهدى ببقية من نور الفطرة ، لم تطفئها مفاسد التربية وسوء القدوة ، لأسمعهم بتوفيقه وعنايته الكتاب والحكمة سماع تفقه وتدبر ، ولكنه علم أنه لا خير فيهم لأنهم ممن أحاطت بهم خطاياهم وختم على قلوبهم وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ وقد علم أن لا خير فيهم لَتَوَلَّوْا عن القبول والاذعان لما فهموا وَهُمْ مُعْرِضُونَ والحال انهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به - كما هو مدلول الجملة الحالية - كراهة وعنادا للداعي إليه ولأهله ، لا توليا عارضا موقتا ، وفرق عظيم بين التولي العارض لصارف موقت وتولي الاعراض والكراهة الذي فقد صاحبه الاستعداد للحق وقبول الخير فقدا تاما . ومن اضطرب في فهم الجمع بين التولي والاعراض